محمد بن أحمد النهرواني

325

كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام

أهلها رعب عساكر الإسلام وخذلهم اللّه تعالى ؛ فما عصمهم ذلك الحصن المنيع ، ما وجدوا الاعتصام ، فأخذوا أخذا وبيلا ، وأسروا وقتلوا تقتيلا ، ونهبت الأموال ، وسبيت النساء والأولاد والأطفال ، وأخذوا ما حولها من البلاد ، والقلاع ، والبقاع ، وافتتح ما يقربها من الحصون والقلاع . وكذلك فتحت قلعة استولين بلغراد ، وهي قلعة سامية العماد ، راسخة الأوتاد ، لم يخلق مثلها في البلاد كأنه من بناء شداد ، أخذت وضبطت وعين لها ولغيرها من القلاع ، الحفاظ النبلاء الأيقاظ ، ونصب لكل منها دارا وحصاريا ، وقاضيا يجرى الأحكام الشرعية ، وسنجقا للاستحفاظ . وصارت من مضافات الممالك المحروسة السلطانية ، وصارت الكنائس مساجد للصلاة والعبادات والبيع ، ومشهد الخيرات والطاعات ، وعاد الركب الشريف السلطاني إلى سرير ملكه ، وتخته الخاقان ، مظفرا منصورا ، غانما سالما ، مسرورا ، واللّه يؤيد بنصره من يشاء . الغزوة الحادية عشر : سفر الفاس . وهي تحتمل تفصيلا طويلا لا تحتمله هذه العجالة ؛ فنعدل عن الإيهاب والإطالة ، ومجملها ، أن الفاس أخو الشاه لأبيه ، وكان واليا على شروان ؛ فوقعت بينهما مشاحنة في الباطن ، أدت إلى أن توجه الفاس إلى الأبواب الشريفة السلطانية ، وقبل اليد الكريمة الخاقانية السليمان ، فحصل له من الحضرة السليمانية إقبال عظيم ، ومرتبة عليّة ، وأنعم عليه بإنعامات الجلية السنية ، ووعده بأن ينصره على أخيه ، ويدانيه ويعلى كلمته ، ويوانيه . وأمر الوزير العظام وأركان دولة الإسلام ، أن يقدموا إليه الهدايا الجزيلة ، والتحف الوافرة الجميلة ، ففعلوا ذلك ، وجابروه وأزروه ، وعظموه وناصروه وكان ذلك في سنة 954 ه ، واستمر ملتجئا إلى الظل الشريف الوريف الممدود على القوى والضعيف ، وصار يصاحبه ويلاطفه ويقويه ويستدنيه ، ويؤالفه ، إلى أن صمم العزم ، وشد بطاق الضرامة والحزم ، وبرز بعسكره المظفر ، ونصب وطاقه في أسكودو لثمان ليال مضين من شهر صفر الخير سنة 955 ه ، ومعه الفاس ميزر مكرما تكريما ومعززا تعزيزا .